السوشيل ميديا في ليبيا

514

عرف العالم، منذ نشاط حركة العولمة، تقاربا كبيرا بين البشر، على اختلاف بلدانهم ومواقعهم الجغرافية، نتيجة تقدّم الوسائل التي تعين في عملية التواصل هذه، بدءً من وسائل السفر، وتطوير السفن والطائرات والقطارات السريعة، إلى وسائل التبادل التجاري، عبر الشركات العابرة للحدود، وصولا إلى التقارب الذي جعل من الكرة الأرضية أشبه بقرية صغيرة بكل ما للكلمة من معنى، نتيجة التطور الهائل الذي عرفته وسائل الاتصال المباشر بين الناس، وهو ما يُعرف بـ”وسائل التواصل الاجتماعي”.

صار بإمكان أي فرد من الأفراد، نتيجة انتشار هذه الوسائل، وتملّك كل فرد لهاتف ذكي، صار بإمكانه أن يتواصل مع كل الكرة الأرضية، ومع سكانها، ويطّلع على أخبارهم، وثقافاتهم، وأفكارهم، وفلسفاتهم، دون أن يتحرّك عن مقعده الذي يجلس عليه، وهذا ما أتاح هذا التواصل الثقافي الهائل، والذي ينذر بزوال الحدود الفاصلة بين هذه الثقافات إلى حدّ يُهدّد باقتحام خصوصياتها وإذابتها في ثقافة معولمة واحدة.

إلا أنه رغم التقارب الثقافي والحضاري الذي أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي في العالم، نرى في ليبيا انقسامات، فمع زيادة الانقسام السياسي في ليبيا، وفي ظل حرب أهلية تدور في البلاد، باتت مواقع التواصل الاجتماعي وسائل لتعميق الصراع، وتغذية أحداث العنف بين الليبيين، بتوجهاتهم المختلفة، حيث انتقلت الخلافات والصراعات من الأرض إلى الفضاء الافتراضي العصي عن المراقبة والعكس صحيح.

عام 2011 شكلت الدعوات التي أطلقها نشطاء ومستخدمون شبان في الفضاءات الاجتماعية، خاصة شبكة فيسبوك، ضد نظام العقيد معمر القذافي، منعطفا في تاريخ البلاد وفي علاقة الليبيين بهذه الوسائل الحديثة، هذه الدعوات التي حققت حينها أهدافها، وأحدثت تغييرا إيجابيا في البلد باسقاط نظام العقيد القذافي، بعد حكم دام لأكثر من 42 عاما، لم تعد تقوم بنفس الدور، وتغيرت طرق توظيفها واستخدامها.

فمع بداية التعدد السياسي وبروز عشرات الاحزاب والمنظمات، لم يتصوّر أحد أن تغدو وسائل التواصل الاجتماعي مساحات للفتنة والاستقطاب وساحات للتصفية السياسية ووسيلة للسب والشتم والقذف وأداة للتهديد والترويج للكراهية والتحريض على العنف، العديد من صفحات الليبيين على مواقع التواصل الاجتماعي باتت مغرَقة بوفرة من خطاب الكراهية والتهديدات ضدّ بعضهم البعض والانقسام، فالواقع اليومي المفعم بالخلافات والصراعات والشائعات  تحول الى الفضاء الافتراضي فتنامى السب والشتم في مشهد يعكس حجم الخلافات السياسية والصراع المناطقي الدائر الآن في ليبيا.

وأصبح الليبيون وخاصة  فئة الشباب، يوما بعد يوم، أشد ارتباطا بالشبكات الاجتماعية، وخصوصاً بتويتر و بفيس بوك، حيث قفز عدد مستخدمي هذا الأخير من حوالي 360 ألف مستخدم في عام 2011 إلى حوالي مليون مستخدم العام الماضي، وتعتبر ليبيا العاشرة عربيا بعدد مستخدمي فيسبوك.

السوشيل ميديا، ودورها في المعارك الحالية في ليبيا:

في موازاة المعارك العنيفة الدائرة في جنوب العاصمة الليبية طرابلس بين قوات خليفة حفتر وقوات حكومة الوفاق الوطني، تحتدم المعارك على شبكات التواصل الاجتماعي، ويبقى فيسبوك هو الوسيلة الأولى للاطلاع على الأخبار بالنسبة للسكان، رغم غياب الضمانات حول صدقية ما ينشر عبره، ويدرك طرفا النزاع أهمية مواقع التواصل الاجتماعي، ويمسك بعض مقاتليهم السلاح بيد وهاتفا لتصوير ما يحدث باليد الأخرى.

ويمضي البعض أبعد من خلال بث رسائل كراهية او حض على العنف وسط غياب العقاب السائد في البلاد الغارقة في الفوضى منذ الاطاحة بنظام معمر القذافي في 2011.

كما يقوم كل طرف من الأطراف المتقاتلة بنشر صور مقاتلين جرحى أو قتلى أو أسرى، على فيسبوك في مسعى لاثبات انتصاره.

خطوات لمعالجة هذه الظاهرة في ليبيا:

بعد اشتداد وطأة هذه الممارسات التي رسخت الانقسام في المجتمع الليبي، قامت عدة خطوات للحدّ منها، فقد عُقدت يومي 3-4 تشرين الثاني/نوفمبر 2019، ندوة في القاهرة، بتمويل من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وقامت بتيسيرها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا،  لإلقاءالضوء على الانتشار المثير للقلق لخطاب الكراهية في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي في ليبيا، ولا سيما فيما يتعلق بسبل معالجة هذا الخطر دون المساس بحرية التعبير ومبادئ حقوق الإنسان.  وعُرضت في الورشة أمثلة على خطاب الكراهية والتحريض والتضليل والأخبار الزائفة التي غمرت الفضاء الإعلامي الليبي حيث قام المشاركون بمناقشة وتفنيد هذه الأمثلة.

إضافة إلى ذلك، قدم فريق السياسات في شركة فيسبوك المعني بشمال أفريقيا عرضاً حول أحدث الاتجاهات في فيسبوك، ومعايير المجتمع وتوظيف الذكاء الاصطناعي في مواجهة الحسابات الزائفة وخطاب الكراهية والمحتوى غير المناسب.

وكانت من توصيات هذه الندوة:

  • عدم نشر معلومات أو أخبار تتعلق بخطاب الكراهية أو الترويج لها على مواقع التواصل الاجتماعي.
  • الالتزام بحقوق الملكية الفكرية.
  • احترام خصوصية الآخرين.
  • تقبل الاختلاف والتنوع واحترام اراء الأخرين.
  • التوعية بأهمية سن التشريعات والقوانين حول جرائم النشر على وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي والإنترنت، مع تفعيل وإنفاذ القوانين التي تجرم خطاب الكراهية.
  • احترام القيم والمبادئ الإنسانية في كل ما ينشر على وسائل التواصل الاجتماعي.
  • حث وسائل الإعلام الليبية من أجل تعزيز الخطاب الوطني الجامع.
  • التشبيك مع البعثة والمنظمات المحلية والدولية المعتمدة لدى الدولة الليبية من أجل مواجهة خطاب الكراهية.
  • الالتزام بالمعايير المهنية وفي مقدمتها الموضوعية والدقة والمصداقية والحياد.
  • حماية المصادر.
  • تأسيس أجسام نقابية صحفية وتفعيل دورها.
  • تحديد آلية رصد ومتابعة لما ينشر من خطاب الكراهية على وسائل الإعلام ومنصات الاجتماعي.
  • حث منظمات المجتمع المدني والمكونات الاجتماعية للإسهام في الحد من خطاب الكراهية.
  • حث المنظمات المحلية والدولية المختصة على تقديم الدعم النفسي والاجتماعي لضحايا خطاب الكراهية.
  • توفير الدعم للإعلاميين من الدولة الليبية.

ورغم مرور أشهر على هذه الندوة، ورغم صدور التوصيات الواضحة في ضرورة التزام كل الأطراف والمواطنيني الليبيين بها، إلا أننا ما نزال نشهد تفلتا كبيرا، واستمرارا لخطاب الكراهية على وسائل التواصل، وهذا واضح في بلدٍ يشهد فلتانا أمنيا كبيرا، واقتتالا داخليا خطيرا جدا، مع غياب وسائل المراقبة والتنظيم القادرة على التحكم بهذا الخطاب على وسائل التواصل، وعلى معاقبة المخالفين.