أمازيغ ليبيا

403

يعود الوجود الأمازيغي في ليبيا إلى آلاف السنين، ولما جاءت فترة الفتوحات الإسلامية تبنى الأمازيغ اللغة العربية ودخلوا الإسلام وتمسكوا بالمذهب الإباضي، لتختلط الثقافتين العربية والأمازيغية معًا في إطار من التدافع الذي أنتج تنوعًا ثقافيًا ولغويًا، إلا أن ذلك لم يؤد إلى صراع واضح بين الهويتين، سواء في حقبة المملكة السنوسية، أو أثناء تصفية الاستعمار، إذ لم يُظهر الأمازيغ آنذاك مطالب خصوصية أو انفصالية.

يشكل الأمازيغ مكوّنا أساسيا من مكوّنات المجتمع الليبي، وقد عانوا من اضطهاد كبير في ظل حكم معمّر القذافي، الذي لم يكن يعترف بوجودهم، وكانوا، وما زالوا، يطالبون بحقّهم في الاعتراف الرسمي بلغتهم إلى جانب اللغة الأساسية، العربية، والتمثيل العادل في البرلمان.

ويمثل الأمازيغ 10% من سكان ليبيا، ويعيشون خصوصا في الجبال الواقعة غرب طرابلس، أو في الصحراء جنوبا.

وقد برزت خلال السنوات الأخيرة المسألة الأمازيغية في ليبيا كقضية مثيرة للجدل بين الرأي العام وعرفت تجاذبات سياسية في المشهد الليبي العام.

وقد عادت مطالبات الأمازيغ بإعطائهم حقوقهم في التمثيل والوجود بعد سقوط نظام معمّر القذافي، وقام الأمازيغيون برفع أعلامهم إلى جانب العلم الليبي على كل المباني الحكومية، وفي المناطق الأمازيغية، كما وضعوا كتبا مدرسية باللغة الأمازيغية، رغم عدم الاعتراف بها حتى الآن من وزارة التربية في حكومة الوفاق الليبية.

وتشمل مطالبات الأمازيغ السماح لهم بإبراز خصوصياتهم الثقافية من خلال الدستور الليبي، علما أن نص مشروع الدستور الليبي يعترف باللغات التي يتحدّثها الليبيون، ومنها الأمازيغية، مع النص على أن اللغة الرسمية للبلاد هي اللغة العربية، وعلى عدم التفريق بين الليبيين على أساس اللغة أو العرق أو اللون.

إنّ الثقافة الأمازيغية غنيّة بحضارتها و هُويّتها ولغتها، وهذا يعود إلى عمرها المديد وطول تواجدها في منطقة شمال إفريقيا، وقد أجاد الأمازيغ الزراعة، مثل غيرهم من الشعوب، وارتبطت أمّتهم بالأرض التي هي مصدر قوتهم. كما عَرفوا ونظّموا مواعيدها، إذ أنّ رأس السنة الأمازيغية والذي يوافق “13 يناير” من كلّ عام، هو أوّل يوم من في السنة الفلاحية، وهو اليوم الأوّل في السنة الأمازيغية. واقترن أيضا هذا اليوم، باعتلاء الملك الأمازيغي شيشنق عرش الفراعنة، وحكم المنطقة منذ 950 سنة قبل الميلاد.

وبعد اندلاع الثورة على نظام معمر القذافي، ورغم حالة الفوضى وانتشار السلاح في ليبيا، لم تظهر لدى أمازيغ ليبيا نزعة انفصالية تسعى لاستغلال حالة التدهور، بل على العكس من ذلك، فقد شاركت قبائل جبل نفوسة بقوة مع باقي مكونات الثورة الليبية في إسقاط نظام القذافي، حيث كانوا جميعًا ضحية لعقود التهميش وسياسات القمع خلال العهد السابق، وأبدوا تعاونًا في تشكيل المجلس التأسيسي الليبي.

عقب انهيار نظام القذافي، اندلعت فوضى عارمة في ليبيا، وفي ظل انتشار السلاح، واستعار الاقتتال، تم إطلاق “المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا”، من جبل نفوسة، بعد تنسيق بين مختلف التشكيلات المسلّحة الأمازيغية، وبعد سقوط نظام القذافي صار هذا المجلس قوة سياسية لا يمكن تجاهل دورها في ليبيا.

 

دور الأمازيغ الثقافي في ليبيا:

يرى كثيرٌ من الباحثين، ومنهم أمازيغ، أن هناك اتجاهات مختلفة في الخطاب الأمازيغي، بعضها لا يعبر عن الأمازيغ ولا يملك أي شعبية، بل هي اتجاهات مرفوضة من قبل القاعدة الشعبية لأنها علمانية ولا دينية ومستوردة. أما الاتجاه الواقعي والشعبي فهو الاتجاه الذي يرتكز إلى أن الأمازيغ جزء من الأمة الليبية وجزء من المنطقة الجغرافية العربية وهم جميعهم يتكلمون الأمازيغية والعربية، وينتمون إلى الأمة الإسلامية ويرتبطون مع العرب والمسلمين برباط الإسلام المقدس.

وهذا الاتجاه الأمازيغي الأصيل يرى في التاريخ الأمازيغي الذي يمتد إلى ما قبل الإسلام تاريخا وعمقا حضاريا للمسلمين بشكل عام، وهو إضافة معرفية وثقافية للحضارة الإسلامية. واللغة الأمازيغية هي التي ترجمت النشاط العقلي والوجداني للأمازيغ وساهمت مع اللغة العربية في البناء الحضاري الإسلامي، وشارك الأمازيغ في السياسة حتى صار أحدهم أحد أباطرة الرومان.

وفي ليبيا ساهم الأمازيغ بمساهمات إسلامية متميزة تمثلت في المدرسة الإسلامية الإباضية، فكان الإنتاج الأدبي والفقه الإباضي الغزير يتمثل في اللغة البربرية الرفيعة التي خاطبت العقل كما خاطبت الوجدان، فالأمازيغ في ليبيا يفخرون بما قدمته المدرسة الإباضية من نشاط منقطع النظير، ويشمل ذلك المؤلفات والمصنفات الكثيرة والكبيرة التي منها “ديوان العزابة” و”ديوان الآساح”. ويضيف بياله قائلا “ونحن نرفض فكرة القومية سواء الأمازيغية أو العربية”.

ولعل ذلك ما جعل الأمازيغ لا يشعرون بفارق كبير بينهم وبين إخوانهم العرب الآخرين من سكان هذا الوطن، مما ساعد كثيرا الأمازيغ في الاندماج في الحياة العامة الليبية عن جدارة تجعلهم يتفوقون في الكثير منها حتى على إخوانهم العرب، وهم بذلك لا يشعرون بعقدة “السوبرمان” من طرفهم أو من طرف غيرهم، فهم منفتحون على كل شيء جديد.

 

الفن الأمازيغي في ليبيا:

كان الغناء والموسيقى جزءا من ثقافة المجتمعات الأمازيغية، وكانت عدة آلات لها خصوصية داخل المجتمع كآلة القيتارة والبندير والمندولين، الكثيرون تأثروا بالقصص القديمة المعروفة ب”تينفاس” والشعر المعروف ب”أسفرو” والغناء الطويل المعروف بـ”اينيج ازقرار” التي كانت تحكيها أمهاتهم وجداتهم، حيث كان للمرأة دور مهم في الحفاظ على الثقافة الأمازيغية.

 

اللباس الأمازيغي:

الأمازيغ الليبييون كغيرهم من الشعوب لهم خصوصيتهم و ثقافتهم الخاصة في اللباس و الأكل، فالمناخ الجوي في ليبيا كان عاملا مهما في تكوين خصوصية الأكل، وبسبب المناخ الجاف اعتمد الليبيون القدماء على كسكسو والزميطة وأضمين والأكل البعلي بشكل عام. ونُقل عن مؤرخين منهم هيريدوث وبيليني قولهم أن الأمازيغ كانوا معتمدين على سياسة التقشف وعدم الاستهلاك في الأكل فترة القرن الرابع قبل الميلاد.

كما أن أول من اخترع الملابس الداخلية المصنوعة من مادة الجلد هم الأمازيغ، وكانوا يرتدون ملابس من الجلد والقماش كانت عبارة عن قطعة كبيرة لا حياكة فيها، ومن الألبسة التي لازالت حاضرة إلى عصرنا هذا هي أحولي وتيمدقلت والشمَلت التي تصنع من الصوف، إضافة إلى بلّيري وهو رداء ترتديه النساء أخذ طابع معين عند كل قبيلة، كانت كل قبيلة أمازيغية  لها طريقة محددة ولون محدد في ارتداء البليري حتى يمكن تمييز نساء كل قبيلة عن الأخرى.

 

الوشم الأمازيغي:

عُرف الوشم في ليبيا مع الأمازيغ، إذ يعتبر ثراثاً عريقاً وموغلاً في الثقافة الأمازيغية وجزءاً من هويتها. واقترن أساساً بالمرأة وبدرجة أقل بالرجال، فلدى غالبية النساء الأمازيغات وشوم. فمن شبه المستحيل أن تجد جدة أمازيغية يخلوا جسمها من الوشوم, فالوشم يُعد تقليد موغل في الثقافة الأمازيغية له مدلولات أسطورية وجمالية. إذ يتخذ الوشم بعداً جمالياً لدى الأمازيغ ويعتبر من أهم وسائل زينة المرأة الأمازيغية، فهي التي توشم عند سن البلوغ لتعلن عبر الأشكال والرموز والرسوم دخولها مرحلة النضج. وتضع الوشم في مختلف مناطق جسمها، كالوجه والذراع واليد والصدر والنهدين والرجلين والمناطق الحساسة من جسدها، ليتحول إلى لوحة فنية تخاطب الآخر لإثارة إعجابه. فيصبح للوشم دلالة جمالية إغرائية. أما الرجال فيكتفون ببعض الوشوم في اليد والذراع والأرجل.