إعلام ما بعد القذافي

385

تناولنا في أبحاثٍ سابقةٍ تاريخ الإعلام في ليبيا، منذ زمن الملكية وحتى ثورة فبراير 2011 م، مرورًا بحقبة حكم القذافي، وتكلمنا عن أوجه الضعف والقوة في كلّ حقبة، إلا أننا في هذا البحث سنتكلم عن المحاولات الإعلامية بعد إسقاط نظام القذافي، وما كتب له منها النجاح، وما فشل.

 

ابتداءً، يمكن القول إن محاولات تطوير الإعلام الليبي لم تكن وليدة مرحلة ما بعد القذافي، بل كانت هناك محاولة رائدة في زمن القذافي، عبر قناة “الليبية” التي أنشأها سيف الإسلام القذافي لتكون واجهة حضارية للإعلام الليبي، وقد اعتمدت هذه القناة على كفاءات إعلامية خارجية، نظرا إلى افتقار قطاع الإعلام الليبي إلى الكفاءات المهنية نتيجة سياسة نظام القذافي الإعلامية، وهو ما تكلمنا عنه سابقا.

 

وكان عماد الكفاءات الخارجية الإعلاميون اللبنانيون، حيث تعاقدت القناة مع تحسين الخياط، صاحب قناة الجديد اللبنانية، والذي أوفد قرابة الـ 400 إعلامي من لبنان، ما بين مذيعين ومصورين وغيرهم.

 

وقد شكلت “الليبية” نقلة نوعية في الإعلام الليبي، ونافست محطات كبرى، مثل الـ MBC، وغيرها، إلا أن إغلاق القناة بأمرٍ من معمّر القذافي، عقب تناول الإعلامي المصري، حمدي قنديل، والذي كان يقدّم برنامج قلم رصاص على القناة، نظاما عربيا بالنقد، أنهى هذا الحلم الذي دخل كلّ بيتٍ ليبي، وحاز على نسبة مشاهدات غير مسبوقة.

 

وكانت تجربة “الليبية” قصيرة بحيث إن الطواقم الإعلامية الليبية لم تستطع في هذا الوقت من الاستفادة من الخبرات الإعلامية الوافدة، فعاد الإعلام الليبي إلى سابق عهده من قلة الخبرة والموضوعية في العمل.

 

         محاولات ما بعد الثورة:

بعد أحداث فبراير 2011، أنشئت قناة “ليبيا الأحرار”، وكانت أول قناة ليبية في الخارج، حيث كانت ممولة من قطر وتبث من الدوحة، إلا أنها كانت تعاني من غياب الكفاءة والمهنية.

 

أيضا، قام الأخوان المسلمون في ليبيا بإطلاق قناة “ليبيا الحرة” معتمدين على إعلاميين سابقين وإعلاميي الثورة الذين وثقوا أحداثها بكاميراتهم الخاصة، وكلا الطرفين كان يفتقد إلى الكفاءة الإعلامية، ثم حاولوا أن يغيروا صورتهم النمطية فأغلقوا قناة “ليبيا الحرة” وأطلقوا قناة “الرائد” في إسطنبول، إلا أن القناة افتقدت إلى المهنية والموضوعية، واتهم القائمون عليها بعمليات فساد كبيرة اضطرت قيادات الإخوان إلى التدخل للتحقيق فيها، ثم إغلاق القناة.

 

إلا أن الإخوان المسلمين عادوا وأطلقوا قناة “بانوراما”، على أنقاض قناة “الرائد”، داخل ليبيا، ولكنها، كسابقاتها، عانت من غياب المهنية والموضوعية والهوية الإعلامية.

 

وقام رجل الأعمال الليبي، محمود جبريل، المدعوم من الإمارات، بإطلاق قناة “العاصمة”، إلا أنها كسابقاتها، افتقرت إلى الطاقم الكفء.

 

يُذكر أن الإعلام الرسمي كان شبه غائب بعد الثورة، حيث سيطر الثوار على القنوات الرسمية، ثم أُهملت هذه القنوات لتصبح خاضعة للميليشيات، وكانت أكبر مشكلاتها أنها تفتقر إلى هوية إعلامية واضحة، فهل هي قناة ثورية، أم ترفيهية، أم أفلام، أم دينية…؟ ناهيك عن افتقارها إلى أدنى درجات المهنية.

 

عندما بدأت الخلافات بين السياسيين الليبيين برز وجه آخر لهذه القنوات، حيث اتّضح انها أصبحت مجرد أبواق للأحزاب، وأبعد ما تكون عن المهنية والموضوعية في عرض موادها.

 

عقب الانقسام السياسي الكبير في ليبيا، وانقلاب اللواء المتقاعد خليفة حفتر على الشرعية في البلاد، وجهت كلا من السعودية والإمارات هجمات شرسة ضد مفتي ليبيا، الشيخ صادق الغرياني، فما كان من الاخير إلا أن أطلق قناة “التناصح” كناطقة باسمه، وكانت واضحة منذ لحظتها الأولى، وتعمل بحرفية رغم ضعف ميزانيتها.

 

في العام 2012 برزت محاولة إعلامية مغايرة للتجارب السابقة، وتسعى إلى ممارسة إعلامية كفوءة ومهنية، هي قناة “النبأ” التي أنشأها الحزب الوطني وعبد الحكيم بلحاج، وكانت القناة الوحيدة التي حظيت بغطاء سياسي من المؤتمر الوطني العام.

 

قامت “النبأ” بتدريب كادرها الإعلامي لمدة عام كامل قبل ظهورهم على البث، وقد تولى تدريبهم كفاءات إعلامية من لبنان والأردن وفلسطين وسوريا والعراق. وقد انطلقت القناة في 20 آب 2013، الذكرى الأولى لتحرير طرابلس، وتميّزت بوضوح هويتها وأهداف عملها وكوادرها الذين استفادوا بشكل كبير من عملية تدريبهم وإعدادهم، كما استخدمت القناة تقنيات عالية الجودة، وكان خطابها وطني جذب كل أطياف الشعب الليبي، الموافق لها والمخالف، وحازت على احترام كل الشرائح بسبب استضافتها لكلّ الآراء والأفكار، وهو ما كان غريبا على الإعلام الليبي.

 

كانت قناة “النبأ” مستهدفة من قبل جميع الأفرقاء في ليبيا، ميليشيات طرابلس، حفتر والإعلام الداعم له، الإمارات، السعودية…، الذين هاجموها لأنها كانت صوتا قويا داعما لعملية “فجر ليبيا” و”البنيان المرصوص”، ولذلك تم استهدافها مرات عدة بالصواريخ، وتم إحراقها بالكامل وسرق معداتها، مما اضطرها إلى الانتقال إلى إسطنبول للبث من هناك.

 

بعد تميّز قناة “النبأ” سعى كثيرون إلى الاستحواذ عليها، ومن بينهم الدكتور علي الصلابي الذي حاول الدخول من باب الأزمة المالية للقناة، وتوصل إلى اتفاق مع بلحاج إلى تمويل القناة مقابل أن تبقى على نهجها وملكيتها لبلحاج، على أن يديرها الصلابي عبر أشخاص تابعين له، إلا أن إدارته السيئة لها أثرت على أدائها، وأصبحت تدار بعقلية الفرد لا المؤسسة، وانحازت بشكل كامل إلى الصلابي.

 

وبعد المصالحة الوطنية، كان إغلاق القناة شرطا أساسيا لأتباع القذافي وحفتر في اللقاء الوطني الذي عقده الصلابي في إسطنبول بهدف المصالحة الوطنية، وقد نفذ الصلابي هذا الشرط، وأغلق القناة واستبدلها بقناة ترفيهية، قناة “السلام”، إلا أن بلحاج أصرّ على استرداد اسم القناة، ولكنه أغلقها بسبب عدم وجود تمويل لها.

 

هذه باختصار قصة الإعلام الليبي بعد القذافي، والمحاولات التي قامت لتطويره، إلا أن كلّ هذه المحاولات باءت بالفشل، أو على أقل تقدير تم تجميدها في الوقت الحاضر، لتُسدل الستارة على إعلام ليبي لا يزال يعاني من مشاكل جمة.