الدينار الليبي وأسباب انهياره

725

تمرّ ليبيا اليوم بأزمة اقتصاديّة هي الأقسى في تاريخها، ويعاني بلد النفط من تدهورٍ واضحٍ في اقتصاده، يدلّ عليه مؤشّر اقتصادي مهم في النظام الاقتصادي لأي بلد، ألا وهو العملة الرسمية للبلاد، الدينار الليبي.

 

في هذه الورقات سنبحث في أسباب انهيار الدينار الليبي، وهي خطوة مهمة للوقوف على أهم الأسباب التي أدت إلى ذلك، مما سيضع بين يدي المهتمين بهذا الشأن مادةً تبيّن لهم مكامن المشاكل، ما أمكن، فتعينهم بذلك على اقتراح الحلول لهذه الأزمة، والعمل على تنفيذها، بما يجنب ليبيا المزيد من النكبات الاقتصادية، ويحاول أن يرأب الصدوع التي أصابت الاقتصاد الليبي وأوصلته إلى ما وصل إليه.

 

وسأبدأ البحث بسردٍ تاريخيٍ أذكر فيه مراحل تطور الدينار الليبي منذ نشأته وحتى يومنا هذا، وأسعار صرفه بالنسبة إلى الدولار والعملات الأجنبية، والأحداث السياسية التي أثرت في مختلف هذه المراحل، ثم أثر ثورة فبراير 2011 عليه ووصوله إلى ما هو عليه اليوم.

 

مقدمة تاريخية:

عام 1952 تمّ إصدار العملة الوطنية الليبية تحت اسم “الجنيه”، ليتحول فيما بعد إلى مسمى “الدينار الليبي”، وكان، عند إصداره، مساويًا للجنيه الإسترليني، حيث كانا يعادلان 2.8 دولارا أمريكيا، أو 2.488 غراما من الذهب.

 

في يوم 15- 8- 1971 أصدر الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون قرارًا بإيقاف التزام أمريكا بتحويل احتياطات الدولار إلى ذهب ( وهو ركن نظام بريتون وودز)، وكان قرار نيكسون بسبب ارتفاع تكاليف حرب فيتنام، وعدم قدرة أمريكا على تغطية ما تنتجه من دولارات بالذهب الذي عندها، مما أدى إلى انخفاض سعر الدولار بشكلٍ كبيرٍ، ومن الطبيعي عندها أن يرتفع سعر الدينار الليبي بالنسبة إليه، ليصبح كل دينار ليبي مساويًا لـ 3.04 دولار أمريكي.

 

وفي عام 1973 انخفض الدولار الأمريكي مرة أخرى، فأصبح الدينار الليبي يساوي 3.38 دولارا أمريكيا، إلا أن هذا العام شهد حدثًا اقتصاديًا ليبيا مهمًا، حيث تمّ ربط الدينار الليبي بالدولار الأمريكي بسعر صرفٍ ثابت، حيث صار كل دينار ليبي يساوي 3.3694 دولارا أمريكيا، واستقر هذا الأمر حتى العام 1986، حيث حصل عدوان أمريكي على ليبيا، بقرار من الرئيس الأمريكي آنذاك، رونالد ريغان.

 

وبين عامي 1999 و2001 عرف الدينار الليبي تأرجحًا في قيمته حتى وصل إلى 1.55 دولار أمريكي، واستمر على هذه القيمة حتى وصل إلى 1.25 دولار أمريكي قبل أحداث فبراير 2011.

 

مع بداية أحداث فبراير 2011، ثم تطور الأمور بسرعة نحو الصدام العسكري، والتدخل الدولي في الضربات العسكرية، كان من الطبيعي أن يشهد الاقتصاد تراجعًا في ظل حربٍ حقيقيةٍ تشهدها الأراضي الليبية، فشهد الدينار الليبي تراجعًا كبيرًا وصل إلى حد بلوغ الدولار الأمريكي الواحد قيمة 2.084 دينار ليبي، ثم شهد انهياراتٍ متتابعة أدت إلى وصول الدولار الأمريكي في بعض الحالات إلى 10 دنانير ليبية، في تراجع لم تعرفه ليبيا في تاريخها، ليعود ويصل اليوم إلى حدود الـ 1.41 دينار ليبي لكلّ دولار أمريكي واحد.

 

وقد كان من أثر هذه النكسات الاقتصادية في ليبيا أن أعلن مصرف ليبيا المركزي في طرابلس، عام 2017، عن أن إجمالي العجز في الموازنة العامة في العامين الذين سبقا 2017 اقترب من 40 مليار دولار، ناهيك عن ارتفاع أسعار السلع التموينية، والمواد الأساسية، وتناقص مخزونات لقاحات الأطفال والأدوية.

 

أسباب انهيار الدينار الليبي:

إزاء الواقع المذكور أعلاه، كان لا بدّ من التنقيب عن الأسباب التي أدت إلى هذا الانهيار الدراماتيكي لقيمة الدينار الليبي، ويمكن إجمالها فيما يلي:

 

السبب الأول: تراجع الصادرات النفطية

يعتبر النفط، منذ بدء إنتاجه عام 1961، المكوّن الأساسي للاقتصاد الليبي، ويستحوذ على أكثر من 55 % من الناتج المحلي الإجمالي، وتمثل قيمة الصادرات النفطية حوالي 96 % من مجمل قيمة الصادرات السلعية الليبية، كما تشكل الإيرادات النفطية حوالي 88.6 % من إجمالي إيرادات الموازنة.

 

وبسبب أهميته هذه، فإن أي خلل يصيب الإنتاج في هذا القطاع يؤدي إلى كارثة اقتصادية تنعكس سلبا على قيمة الدينار الليبي. فمنذ منتصف عام 2013 تمّ إغلاق الكثير من موانئ وحقول إنتاج النفط، لأسبابٍ أمنية، مما أدى إلى خفض إنتاج النفط من مليون و700 ألف برميل يوميا إلى حوال 350 ألف برميل يوميا، أي انخفاض قيمة الصادرات النفطية بنحو الثلثين، مما سبب عجزا في ميزان المدفوعات بنحو 70 %.

 

السبب الثاني: انخفاض أسعار النفط

أدى انخفاض أسعار النفط على مستوى العالم، منذ العام 2014، إلى تراجع مردود النفط في ليبيا، وهذا أمرٌ متوقعٌ وطبيعيٌّ بعد أن عرفنا حجم مساهمة النفط في الإنتاج العام الليبي.

 

السبب الثالث: انخفاض الإيرادات غير النفطية:

والمقصود من الإيرادات غير النفطية هي المرافق والقطاعات التي تساهم في الإنتاج المحلي من غير النفط، كالاتصالات، والرسوم الجمركية، ورسوم الخدمات، والضرائب…، حيث بلغت هذه الإيرادات عام 2008 حوالي 8,3242 مليار دينار ليبي، مع مرتبات لا تتجاوز الـ 8 مليارات دينار ليبي، بينما بلغت في 2015 حوالي 1,2 مليار دينار ليبي، مع مرتبات بلغت 16,4 مليار دينار ليبي.

 

أضف إلى ذلك، فإن جمع هذه الإيرادات دونه صعوباتٍ جمةٍ نتيجة الاضطرابات السياسية والاقتتال المسلّح، مما يزيد من تفاقم مشكلة جمعها وتوظيفها.

السبب الرابع: فساد القطاع العام

فالفساد في القطاع العام، وخصوصا في القطاع المصرفي، أدى إلى كوارث اقتصادية ظهرت تبعاتها بشكل كبير في قيمة الدينار الليبي، حيث يقوم مسؤولون كبيرون في المصارف بمشاركة أصحاب شركات توريد وتجارة، فيقومون بتقديم امتيازات وتفضيلات في منح اعتمادات مصرفية بسعر الدينار الرسمي في البنك المركزي، والذي لا يتخطى 1,4 مقابل الدولار الأمريكي.

 

السبب الخامس: مضاربات الصرافة

تنشط مافيات الصرافة من كبار التجار الليبيين، وأصحاب الشركات التجارية، الذين يشترون ملايين الدولارات من البنك المركزي بسعره الرسمي، ثم يقومون باستلام الأموال من الخارج، ليقومون ببيعها بأضعاف ثمنها الحقيقي مرة أخرى، فيحققون الأرباح الطائلة على حساب الدينار الليبي.

 

هذه أبرز الأسباب التي أدت إلى انهيار كبير للدينار الليبي، وتبقى هناك أسبابٌ آنيةٌ أخرى متعلقة بالتطورات الأمنية على الساحة الليبية، ومرهونة بالتطورات التي تحدث داخل ليبيا.