الفنون في ليبيا

410

عانت ليبيا بعد اندلاع أحداث 2011 من مشاكل اجتماعية كبيرة، أتت على البنية التحتية للمجتمع الليبي، فراحت ضحية هذه المشاكل الآلاف من المواطنين الليبيين، من نساء وأطفال وشيوخ وشباب، وأثرت على البنية التحتية للمجتمع الليبي، وأدت إلى تراجع الإنتاج الحضاري الليبي، بما فيه الفن الليبي، الذي اختزل الثقافة الليبية في ثناياه.

وسنرصد في هذه الورقة حال الفنون في ليبيا في ظل ما تشهده ليبيا من أحداث تهدد بنية المجتمع الليبي ووحدة أراضي لبيا بشكل جذري.

ويقول أحد أبرز الفنانين التشكيليين الليبيين “فقدنا اليوم كل مصادر الإلهام”، ويتابع “الفترة الحالية لا تتناسب مع متطلبات الإبداع”.

وتشهد ليبيا منذ فترة طويلة صراعا بين سلطتين تتقاسمان السيطرة على مناطق البلاد، سلطة غير معترف بها في الشرق، وأخرى تدير العاصمة طرابلس وتحظى باعتراف المجتمع الدولي، وعلى مدى هذه المدة من الاقتتال، تدمرت معظم مؤسسات الدولة وتوقفت عجلة الاقتصاد، ودخلت الحياة الثقافية والفنية في مرحلة من العجز والركود.

وبعد الدفعة الكبيرة التي عاشتها الساحة الفنية، والنشوة التي رافقتها بعد الثورة التي أطاحت بنظام معمر القذافي الذي مارس طيلة أكثر من أربعة عقود رقابة مشددة على الثقافة، فرضت أعمال العنف وغياب سلطة الدولة العاجزة عن المحاسبة، على هؤلاء الفنانين، أمرا واقعا جديدا عنوانه الترقب.

ويؤكد أحد مؤسسي “دار الفنون”، ملتقى الفنانين التشكيليين الوحيد في العاصمة الليبية حاليا، إن الفترة التي يمر بها هذا الفن في ليبيا هي بمثابة “أكثر من توقف مرحلي، إنها بداية مخاض طويل ستستمر آلامه حتى نرى نهضة جديدة”.

إضافة إلى غياب الأمن، فإن النقص في الخدمات الرئيسية يصعب على الفنانين التشكيليين عملهم، خصوصا في طرابلس، التي سبق وأن اختيرت عاصمة للثقافة العربية في العام 2014.

فقد أدخل النزاع المسلح على السلطة في ليبيا والفوضى التي ترافقه الفن التشكيلي في مرحلة من السبات والإحباط بعد نهضة فنية عمت البلاد، وخصوصا عاصمتها طرابلس، في أعقاب ثورة العام 2011.

وللاطلاع أكثر على حال الفن التشكيلي في ليبيا، يمكن القول إنه قبل الانقلاب الذي قاده معمر القذافي في العام 1969، أسس الفنانون الليبيون ناديين للفن التشكيلي في مدينة بنغازي (ألف كلم شرق طرابلس) في العام 1951، وفي العاصمة في العام 1960، قبل أن يغلق هذان الناديان أبوابهما مع تشديد نظام القذافي قبضته على الثقافة والفن، ويعتبر محمد البارودي وعلي رمضان من رواد الفن التشكيلي الليبي، إلى جانب علي قانة الذي توفي سنة 2006 وكان رساما ونحاتا.

وتقوم ابنة علي قانة، هادية، التي تتقن فن الخزف، بالتحضير حاليا لإقامة متحف خاص بحياة وأعمال والدها في طرابلس، موضحة انه “في ظل نظام القذافي، حين كان كل شيء يجب ان يصب في خانة تمجيد القائد، لم أكن لأقيم أي معرض مماثل”.

وعلى مدى العقود الماضية، لم يكن الفن التشكيلي يثير اهتمام الكثير من الليبيين، بل كان يقتصر على فئات محدودة منهم، إضافة إلى الأجانب وخصوصا العاملين في السفارات الأجنبية، والذين غادروا جميعهم ليبيا لدى اندلاع النزاع المسلح صيف 2014.

وتقول الرسامة نجلة الفيتوري التي تعرض أعمالها وأعمال زوجها الرسام يوسف فطيس في معارض خارج ليبيا أن الفنون التشكيلية “ليست من أولويات العائلات الليبية.

المغتربون والدبلوماسيون، وبعض الليبيين وخصوصا الذين كانوا يعيشون في الخارج، هم زبائن هذه الفنون”، إلا أن التقرب من الدبلوماسيين الأجانب كان يجعل الفنانين الليبيين عرضة للمساءلة من قبل النظام، الذي كان يحذر دوما من “غزو ثقافي” خارجي، وهو تحذير مكنه من التحكم بكل أوجه الحياة الثقافية.

وتوضح الفيتوري “حتى لو لم تكن أعمالنا مناهضة للقذافي، فان تواصلنا مع الأجانب، وخصوصا الدبلوماسيين” كان يجلب المتاعب بأن ثورة العام 2011، بدا الفنانون الليبيون وكأنهم ولدوا من جديد وكسروا الرقابة التي فرضت عليهم لأربعة عقود فانتشرت المعارض وكثرت الأعمال الفنية، واستمرت هذه النشوة إلى حين اندلاع النزاع العام الماضي. لكنهم اليوم يعيشون حالة من القلق والترقب، وتقول الفيتوري “ننتظر لنرى ما تحمله لنا السنوات المقبلة”.

في دراسة لمركز البحوث والاستشارات بجامعة بنغازي للعام 2015 كشف المسح العالمي للقيم، بعضَ القيم السلبيّة المتعلقة بمدى ارتباط الليبيين بالفنّ؛ منها عزوف أغلبية ساحقة من الليبيين عن الانضمام إلى منظمات رياضية أو ترفيهية بنسبة 81% فيما سجل العزوف عن الأنشطة الفنية 86.3%.

ومن المفيد هنا أن نتكلم عن “المرسكاوي”، وهو فن تقليدي ليبي يجمع الإفريقي والعربي والأمازيغي.

و”المرسكاوي” فنّ ولد من التزاوج الطبيعي بين الموروث الغنائي الشعبي الليبي من رقص وشعر حضري وغناء عربي وأمازيغي، والموروث الثقافي الإفريقي من غناء وصلوات وتمائم وسحر وشعوذة وقصص وخرافات، في مدينة مرزق جنوب ليبيا التي كانت الرابط بين حضارة العرب والأمازيغ في الشمال وحضارة وتراث إفريقيا في الجنوب.

المرسكاوي فنّ ازدهر في مدينة بنغازي، المدينة التي احتضنت الجميع أكثر من غيرها، فهي التي استقبلت من طردتهم القبيلة ومن أرادوا الفكاك من قيود العشيرة والهاربين من شروط الولاء الصارم للطرق الدينية، وكل من آثر البقاء والاستقرار في المجتمع الحضري بدلاً عن التنقل والترحال، والمهاجرين الحرفيين من مصراته وطرابلس، إنه فنّ “المرسكاوي” الذي نشأ بين مزيج مكون من الفصاحة الشعرية البدوية العربية والثقافة الأمازيغية المحلية والتقاليد الإفريقية.

و”المرسكاوي” نمط من الموسيقى الشعبية في ليبيا، نشأ بالقرب من الصحراء الليبية، حيث يتميز بأنغامه وإيقاعه وشعره الغنائي الخاص به، كان يؤدى عبر لحن محلي على مقام متعارف عليه، وتميز بعنصرين غير عضويين يدخلان في تركيبته أولهما ما يشبه الموال العربي في المقدمة مصحوبًا بموسيقى الديوان (السلم الذي يبنى عليه المتن الأساسي)، وفيه يتم التهيئة للمغني للدخول في الأغنية.

وثانيهما ما يطلق عليه شعبيًا “التبرويلة” وهي حركة سريعة عند نهاية الأغنية تكون في الديوان الأصلي للأغنية وكلماتها أو في ديوان مغاير، لكن لها إيقاع رقصي يوصل إلى التسليم النهائي للأغنية.

بدأ هذا الفن المعروف باسم “المرسكاوي”، ويطلق عليه آخرون “المرزقاوي”، في مدينة مرزق الواقعة أقصى الجنوب الليبي التي ارتبطت منذ العصور القديمة بثلاثة معابر برية تمتد من الساحل الليبي إلى أعماق إفريقيا، مما أهّلها لأن تكون نقطة التقاء القوافل التجارية قديمًا، والواصلة بين إفريقيا وسواحل المتوسط، وبين الشرق والغرب الإفريقي.

ويعتمد “المرسكاوي” على السماع بالدرجة الأولى، وليس من الضروري أن تصاحب هذا الفن الغنائي آلات موسيقية، لكنه كغيره من الأنماط الحضرية الليبية كالمالوف في طرابلس ودرنه، يشكل وحدة مترابطة.

ولئن بدأ هذا الفنّ طريقه في مدينة مرزق الجنوبية، فقد ازدهر واشتهر في بنغازي التي مسحت دموع العبيد الأفارقة وأعتقتهم من عبوديتهم وأطلقت العنان لإبداعاتهم وبشاشتهم وإنسانيتهم وحناجرهم لتتلاقح الحضارات هناك، ويتشكّل تلاقح ثقافي بين فنون الحضر وفنون السود والموروث الغنائي الطرابلسي والإفصاح الشعري البدوي، كل ذلك أدى إلى انتشار فن المرسكاوي في بنغازي والمناطق الحضرية في الشرق الليبي.

هذه لمحة سريعة على واقع الفنون في ليبيا، والسؤال المطروح اليوم، هل ستشهد ليبيا استقرارا يؤدي إلى ازدهار الفنون في ليبيا؟ سيّما أن الفنون تعكس الوجه الخضاري لأي مجتمع.