الواقع السياسي الليبي والحلول المقترحة

1٬260

ورقة بحثية

هذه الورقة تستعرض الواقع السياسي والأمني الليبي منذ بدأ العملية العسكرية التي أطلقها اللواء المتقاعد خليفة حفتر للسيطرة على العاصمة الليبية طرابلس في الرابع من أبريل/نيسان 2019 حتى تاريخ كتابتها، مع بيان أبرز التطورات السياسية والأمنية، والحلول المقترحة لحكومة الوفاق، الجهة السياسية الشرعية في ليبيا، لحل المشاكل المترتبة على هذه العملية.

إلا أنه يجدر بنا أن نقدّم لمحة سريعة حول أهمية ليبيا من الناحية الجغرافية، وما أفرزته هذه الأهمية من سلبيات وإيجابيات على الواقع الليبي، كما يجدر بنا أن نتوقف عند السلوك السياسي الذي يحكم العلاقات الدولية في العالم.

 

أهمية ليبيا في الجيوبوليتيك:

إن موقع ليبيا الجغرافي جعل منها بلدا ذا أهمية ومميزات جيوبوليتيكية تتلخص بما يلي:

  • تمثل حلقة اتصال رئيسية بين أقطار المشرق العربي وأقطار المغرب العربي، وهي تلعب دور الجسر الثقافي والتجاري بينهما، وبالتالي فإن السيطرة على ليبيا يتيح التحكم بهذا الجسر.
  • موقعها في حوض البحر المتوسط، قبالة الشواطئ الأوروبية، جعل منها بوابة بحرية لأوروبا، وثغرة تلج منها حشود المهاجرين من أفريقيا بحثا عن الرخاء في أوروبا، ولذلك فإن الفوضى في ليبيا تهدد بإغراق أوروبا بالمهاجرين، كما أن وجود حكومة قوية مستقرة فيها يعطي ورقة القوة لها للضغط على أوروبا.
  • جغرافيتها مناسبة لحركة الجيوش ونقلها مع إمداداتها إلى جنوب أوروبا، أو المغرب العربي، أو المشرق العربي، أو شمال أفريقيا بكل سهولة ويسر، وهذا ما أعطاها أهميتها في الحرب العالمية.
  • تمثل عقدة تجارية تربط بين الجهات الأربع المذكورة في (3)، وعلى الرغم من نشاط الملاحة الجوية في حركة التجارة، إلا أن الخطوط البرية ما زالت تحظى بأهمية تجارية عالية.

 

لكلّ ما سبق نستطيع أن نفهم الاهتمام الدولي البالغ بالصراع الدائر في ليبيا، وسعي جهات دولية عدة لدعم الأطراف المتناحرة فيه بهدف تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية على الأراضي الليبية.

 

السلوك السياسي الذي يحكم العلاقات الدولية:

تمثل النظرية الواقعية الكلاسيكية الجديدة الحاكم الأقوى للسلوك المسيطر على العلاقات الدولية في زماننا، وهي نظرية تقوم على دعامتين:

  • الفوضى الدولية، أي أن هذه النظرية تفترض أنه لا سلطة فوق سلطة الدولة، وبالتالي فإن الدول فيما بينها لا تحتكم إلى قانون أعلى من سيادتها، وبالتالي تسود حالة من الفوضى بينها، ولذلك فإن الضامن الوحيد في هذه الفوضى هي “القوة”، وهذا ما يفسّر التسابق الدولي المستمر لتطوير القدرات العسكرية ومنظومات الردع.
  • استبعاد القيم الثابتة في التعاطي الدولي، أي ليست هناك قيما متعالية نحدد الخير والحق في السلوك الدولي، ولذلك برزت البراغماتية كسلوك أوحد يطبع سلوك أغلب دول العالم، وهو سلوك ينشد المصلحة الخاصة للدولة ولو على حساب دمار العالم كله.

بناءً على هاتين النقطتين فإن الدول في تعاطيها مع ليبيا تبحث عن مصلحتها الخاصة، ومع ما ممكن أن تحققه من مكاسب سياسية واقتصادية، بغض النظر عن الواقع المؤلم الذي يعيشه الشعب الليبي، وعن آلاف الضحايا الذين سقطوا في الصراع الدائر.

كما أن هذه الدول التي تسعى وراء مصلحتها في ليبيا، لا تهتم كثيرا بالأشخاص وشعاراتهم بقدر ما تهتم ببرنامجهم والتزاماتهم بتحقيق مصالحهم في ليبيا، ولذلك فقد يصبح أكثر الأشخاص المارقين مدعوما في وجه الشرعية متى كان ذلك يحقق مصالح الداعمين.

وعليه، سنستعرض الواقع العسكري الميداني بعد أكثر من شهر على إطلاق اللواء المتقاعد خليفة حفتر لعمليته العسكرية بهدف السيطرة على العاصمة طرابلس، وما حققته على أرض الواقع، ثم نعرّج على التحليل السياسي من منطلق النقاط المنهجية أعلاه، واقتراح أبرز الحلول.

 

واقع العملية العسكرية ضد طرابلس بعد أكثر من شهر، وانعكاساته السياسية:

أعلن اللواء المتقاعد خليفة حفتر، في الرابع من أبريل/نيسان 2019 انطلاق عملية عسكرية للسيطرة على العاصمة الليبية بحجة طرد المتطرفين والإرهابيين منها، وقد تلقى حفتر دعما من السعودية والإمارات، اللتان تعملان بجهد لإخماد ثورات الربيع العربي خوفا من امتدادها في المنطقة ووصولها إلى أراضيهما، ومن مصر بعد وصول عبد الفتاح السيسي إلى الحكم عبر الانقلاب على الرئيس الشرعي محمد مرسي.

أما الدول الغربية، فإنها وإن كانت لم تعلن دعمها المباشر والصريح لخليفة حفتر (خلا ترامب عبر اتصال هاتفي مع حفتر أثنى فيه على خطواته في محاربة الإرهاب)، إلا أن تغاضيها عن ما تسببه حملة حفتر من قتل وتشريد، واكتفائها بإدانة العنف من جميع الأطراف، أشبه ما يكون بالدعم الضمني، أو في أحسن الأحوال هو حالة من الترقب لمعرفة لمصلحة من سيميل ميزان القوى في ليبيا، فهذه الدول لا يهمها السجل الأخلاقي والسياسي لمن سيحكم ليبيا، بل يهمها من سيؤمن لها مصالحها في بلد النفط (من واقع البراغماتية السياسية لهذه الدول).

إلا أنه ورغم كل هذا الدعم السياسي والمادي، فقد فشلت هذه الحملة العسكرية في تحقيق أهدافها حتى الآن، واستطاعت حكومة الوفاق الوطني والقوات التابعة لها من الدفاع على مواقعها في طرابلس، وهو ما أنتج واقعا جديدا تجلي في:

بداية تململ داعمي حفتر، خاصة فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية، الذين كانوا يراهنون على عملية سريعة وخاطفة تجعل ليبيا تحت سيطرة حفتر بالكامل، وهو ما يسهل السيطرة على مقدراتها ونفطها وحفظ جميع مصالحها فيها، إلا أن تعثر العملية العسكرية، وطول وقتها، وسقوط المزيد من الضحايا، وازدياد عدد المشردين جراء الأعمال العسكرية، كل ذلك عقّد المشهد الليبي، ووضع الأطراف الكبرى أمام واقع مغاير قد يستلزم منهم سحب الدعم المعطى لحفتر، أو الضغط لوقف العملية العسكرية والعودة من حيث بدأت.

أما الدول العربية الداعمة لحملة حفتر العسكرية، فهي تعيش حالة استنزاف اقتصادي جراء دعم الحملة ماليا، وجراء تدخلها المباشر أيضا (مشاركة سلاح الجو المصري وطائرات إماراتية بلا طيار من صنع صيني في قصف طرابلس دعما لقوات حفتر)، كما أن مشروعها السياسي في ليبيا يتعثر مع تعثر الحملة العسكرية، وهو ما بدأ ينذر بتباينات وخلافات بين الحلفاء في الحملة.

 

الحلول المقترحة لحكومة الوفاق لإفشال مخططات خليفة حفتر:

كما أسلفنا سابقا، فإن صمود قوات حكومة الوفاق في طرابلس ضد القوات المهاجمة أحدث شرخا في المواقف الداعمة للحملة العسكرية ضدها، وكلما استمر الصمود سيزداد الشرخ والتباينات بين هذه الأطراف مما سيهدد الحملة العسكرية لحفتر بشكل كبير يصعب معه الاستمرار فيها، لذلك فإن الأفضل لحكومة الوفاق أن تعمل على محورين للنجاح في تخطي هذه الأزمة، محور داخلي ومحور خارجي.

فعلى مستوى المحور الداخلي، يجب على حكومة الوفاق أن تسعى لتعزيز موقفها العسكري والسياسي، عسكريا بأن تستمر بتوفير أسباب الصمود العسكري في طرابلس لأن طول وقت المعركة ليس في صالح حفتر وداعميه.

أيضا، على المستوى العسكري كذلك، يستحسن أن تقوم القوات التابعة لحكومة الوفاق بهجوم معاكسٍ في الأماكن التي تسمح بذلك، فلا تكتفي بصد هجوم قوات خليفة حفتر، بل تهدد مكاسبهم السابقة، وهو ما سيدفعهم، ومن يدعمهم، لإعادة النظر في استمرار العملية، والتراجع للدفاع عن مناطقهم بدل التفكير في السيطرة على أراضٍ جديدة.

ولضمان نجاح حكومة الوفاق عسكريا، يجب قطع طرق الإمدادات عن قوات حفتر وفك الطوق عن بعض القبائل التي تناصر الوفاق ولا تستطيع التحرك لمناصرتها. هذه القبائل يجب فك الطوق عنها وتأمين خطوط التواصل بينها وبين قوات الوفاق.

أما بخصوص طرق الإمداد، فلا بدّ من قطعها عن قوات حفتر وإعاقة وصول الإمدادات إلى قواته، خصوصا في المناطق الغربية، والعمل على تعطيل عمل القواعد التي يستخدمها في عملياته عبر تأمين العوارض الحساسة المشرفة على هذه القواعد بهدف شلّ فاعليتها.

أما على المستوى السياسي الداخلي، فمن الأفضل لحكومة الوفاق أن تعمل على زيادة تحالفاتها الداخلية، وهو أمر سهل في مجتمع قبائلي كالمجتمع الليبي، حيث يستحسن مدّ الجسور مع كل القبائل التي يمكن أن تتأثر وتغير قناعاتها، سواء منها الداعمة لحفتر أم التي هي في موقف الحياد، والهدف من التفاهمات مع هذه القبائل هو إما الحظي بدعمها، أو على أقل تقدير تأمين عدم تقديم دعمها لخليفة حفتر.

كما لا مانع من أن تقوم حكومة الوفاق بالتواصل مع قبائل ورموز النظام السابق ممن لم تتلطخ أيديهم بالدماء، والاستفادة من علاقاتهم وخبراتهم، فهي بحاجة الآن إلى كل دعم وبأي شكل.

إلا أن الأهم بالنسبة لحكومة الوفاق هو أن تقوم بدراسة النسيج الشعبي الليبي بشكل أعمق، وخارطة التحالفات بشكل جيد حتى تتمكن من اللعب وفقا لمعطيات التحالفات السياسية والعسكرية في البلاد.

فمن المعلوم أن هناك قبائل توالي حفتر وأخرى توالي الوفاق وقبائل تحاول أن تنأى بنفسها عن الصراع. وكذلك فإن القبائل الموالية لحفتر، قسمٌ مهمٌ منها تحالف معه بسبب الأموال التي يغريها بها، وهؤلاء يستحسن من حكومة الوفاق أن تقوم بإغرائهم بأموال أكثر على الأقل لكي يكفوا قتالهم ضدها، وطالما أن ولاءهم للبيع فهو سيكون مع من يدفع أكثر.

أما على المستوى الخارجي، فكما أسلفنا بأن الدول الغربية تبحث عن مصالحها في ليبيا بغض النظر عمن يحكم، لذلك يستحسن لحكومة الوفاق بأن تفعّل حراكها الدبلوماسي في الخارج بشكل أكبر، وتحاول، في ظل الواقع العربي والليبي العاجز، أن تُطمئن هذه الدول على مصالحها في ليبيا بما يخدم الشعب الليبي ويؤمن له الازدهار بالشراكة معها وبتحقيق مصالح متبادلة، فإذا ما جرى إقناع هذه الدول بأن مصلحتها هي مع حكومة الوفاق، فإنها سترفع الدعم عن خليفة حفتر في لحظة واحدة، وستنقلب موازين القوى في ليبيا بشكل سريع وملحوظ.

كما لا يجب أن ننسى أن الماكينة الإعلامية لخليفة حفتر ما فتئت تروّج لوجود جماعات إرهابية بين صفوف القوات التابعة لحكومة الوفاف، وهو ما يلامس مخاوف حقيقية عند أوروبا وأمريكا، سيما بسبب موقع ليبيا الجغرافي المهم، مما سيعطى هذه القوى في حال انتصرت موطأ قدم تلج منه إلى أوروبا والغرب، لذلك يجب مواجهة هذه الحملة الإعلامية بحملة مضادة ضمن سياسة طمأنة الدول الغربية.

أما بخصوص الدول العربية الداعمة لحفتر، فإن دعمها هو دعم دبلوماسي يسعى لتحشيد الدعم الكبرى لدعم حفتر، ودعم مالي مع تأمين غطاء جوي، ولا يمكن لهذا الأخير أن يأتي بأكثر مما أتى به سابقا، والصمود في وجهه سيدفع هذه الجهات إلى اكتشاف عبثية حربها واستنزافها لاقتصادها دون أن تحقق أي فائدة عملية، وهو ما سيدفعها إلى التراجع وإيقاف المعركة (خاصة إذا خسروا دعم الدول الغربية التي يتحركون دبلوماسيا لتأمين دعمها لحفتر، والتي ستضغط عليهم أيضا لإيقاف حربهم ضد طرابلس)، إيقاف معركتهم لكن ليس إيقاف حربهم.