تدويل المسألة الليبية

700

مع وصول الأزمة الليبية إلى مراحل صعبة جدا، ومع تعقّد المشهد الليبي بشكل فاق كلّ التصوّرات بسبب احتدام القتال الداخلي بين مختلف الأطراف الفاعلة على الساحة الليبية، وبسبب غياب رؤية متماسكة تقدّم حلًّا جذريًّا للنزاعات التي أدت إلى تدمير ليس فقط البنية التحتية الماديّة للمجتمع الليبي، بل إنها أتت حتى على النسيج الاجتماعي الليبي، مع كلّ هذه الأحداث التي باتت تهدّد وجود “المجتمع الليبي” تبرز بعض النقاشات حول قضية تدويل المسألة الليبية من عدمه، وهل أصبح حلّ المشكلة الليبية مرتبطٌ بالخارج فقط؟ أم أنه لا زال بين متناول أيدي الأطراف الليبية المتنازعة؟

 

من سمة الأبحاث العلمية أن تبحث في المعطيات المعلومة، والانطلاق منها لمعرفة مجهولٍ مستقبليٍّ، فتأتي النتيجة كنهاية لهذا البحث، ويتم ذكرها في النهاية.

 

إلا أنني، وتجاوزا على عادتي، سأسمح لنفسي بأن أذكر النتيجة في بداية البحث، فأقول بأن الأزمة الليبية قد تم تدويلها منذ بدايات حراك فبراير 2011، وقد تدخلت القوى العظمى والدول الإقليمية المجاورة لليبيا لتلعب دورًا، كبيرًا كان أو صغيرًا، فاعلًا أو غير فاعل، في الأزمة التي تضرب الجغرافيا الليبية وتعبث بمجتمعها.

 

أما عن الحلّ، فمن الناحية النظريّة لا نستبعد أن تتمكّن الأطراف الداخلية المتنازعة، دون استثناء، من التوصّل إلى حلّ للمشكلة الليبية في حال تحرّرها من جميع ارتباطاتها والتزاماتها الخارجية، والاقتناع التام بضرورة الوقوف عند هذا الحدّ من الخراب، والعزم حقيقةً على التوصّل مع باقي الأطراف إلى حلّ يقبل الآخر ويسعى إلى وقف النزيف الليبي، وإعادة بناء المجتمع بما يتوافق مع أهداف الثورة التي خرج الناس لأجلها في فبراير 2011، وأنا أقول من الناحية النظريّة لأن السؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه في هذا المقام: هل تستطيع هذه الأطراف الداخلية المتنازعة أن تتنصّل من التزاماتها مع الأطراف الخارجيّة التي تدعمها؟ وهل هذه الأطراف الداخلية هي أطرافٌ فاعلةٌ تملك أن تتفاوض مع الداعم الخارجي؟ أم أنها مجرّد أدواتٍ للخارج؟

 

وبعيدًا عن ذكر الحلول المتاحة لإنهاء الصراع في ليبيا، والذي قد أخصّص لها بحثًا آخر مستقلا، فإن بحثي هذا يعالج قضية تدويل المسألة الليبية، والشواهد على حصول هذا التدويل، من منطلق الأحداث التي تتعاقب فيما خصّ النزاع في ليبيا.

 

وكما أسلفت سابقا، فإن البحث في حصول التدويل للمسألة الليبية أصبح بحثا لا فائدة منه، لأن التدويل حصل فعلا، كما تشير إليه الأحداث المتلاحقة، بدايةً من ابتداء المعارك العسكرية بعد حراك فبراير 2011، وحتى يومنا هذا، لكن بحثي سيكون في تعريف التدويل، ثم في استحضار الشواهد الواضحة على حصوله.

 

ما المقصود بـ “التدويل”:

يعتبر مفهوم التدويل من المفاهيم التي ترتبط بالعلاقات الدولية، وهو يعني جعل منطقة جغرافية محددة تحت السيادة الدولية، أو مشاركة عدة دول في إدارة الشؤون الخاصة بها.

 

فالتدويل يقصد به، إما جعل المنطقة الجغرافية المحددة تحت السيادة الدولية بشكلٍ مباشرٍ، أو أن تتشارك عدة دول في إدارة الشؤون الخاصة بها، أي العمل على تسيير أمورها، وفي حالة النزاعات فإن التدخل فيها، أو محاولة حلّها، أو تأجيجها، يدخل كله تحت عنوان إدارة الشؤون الخاصة بها، أي يكون تدويلا بشكلٍ أو بآخر.

 

فهل حصل شيءٌ من مصاديق التدويل في ليبيا؟

عقب أحداث فبراير 2011 في ليبيا، والاستعمال المبالغ فيه للقوة من قبل قوات القذافي، ناشدت الجامعة العربية مجلس الأمن الدولي، في 12 آذار/مارس 2011، لفرض حظر جوي على قوات القذافي لمنع طائراته من استهداف الثوار، وفي 17 مارس 2011 صوت مجلس الأمن بـ 10 أصوات مقابل 0 صوت لصالح هذا القرار رقم 1973، وليُفرض بعده الحظر الجوي على قوات القذافي.

ومن المفيد في هذا المقام أن أذكر التسلسل الزماني للأحداث التي رافقت بداية الحراك الليبي، لمعرفة كيف بدأ تدويل القضية الليبية وخروجها من أيدي اللاعبين الداخليين.

 

والأحداث بالتواريخ كما يلي:

10/3/2011:فرنسا تعلن اعترافها بالمجلس الوطني الانتقالي، وتطالب بشن غارات جوية محدودة على قوات القذافي.

 

16/3/2011: الأمين العام للأمم المتحدة، بان كي مون، يدعو إلى وقفٍ فوريٍ لإطلاق النار في ليبيا، ووزيرة الخارجية الأميركية، هيلاري كلينتون، تدعو إلى تحرك عاجلٍ مع تقدم قوات القذافي نحو شرق ليبيا، ومجلس الأمن الدولي يبحث مشروع قرارٍ يقضي بفرض حظر جوي على الأراضي الليبية.

 

17/3/2011:مجلس الأمن الدولي يصدر القرار رقم 1973، والذي يفرض حظرا جويا علي ليبيا، ويبيح استخدام القوة لحماية المدنيين من هجمات القوات التابعة للقذافي.

 

8/3/2011:فرنسا تقول إن الهجوم الجوي على ليبيا سيبدأ خلال ساعات قليلة.

 

9/3/2011:الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي يعلن بدء تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي الخاص بإقامة حظر جوي فوق ليبيا، والرئيسالأمريكي باراك أوباما يعطي أوامره للقوات الأمريكية ببدء عمل عسكري محدود ضد ليبيا، والبنتاغونيعلن أن سفن حربية وغواصات أمريكية وبريطانية أطلقت 110 صاروخ توما-هوك علي أهداف ليبية ضمن المرحلة الأولي من عملية فجر الأوديسا الهادفة لإرغام القذافي على احترام حظر الطيران الذي فرضته الأممالمتحدة، كما أعلنتفرنسا أن طائراتها شنت هجمات تمكنت خلالها من تدمير عددا من الدبابات والمركبات المدرعة في موقع تابع للكتائب الموالية للقذافي.

من تتبّع الأحداث المذكورة أعلاه، نرى أن التدخل الدولي في الصراع الليبي الداخلي كان مبكرا جدا، وترافق مع بدايات الأحداث التي أعقب حراك فبراير 2011، وإذا ما استحضرنا المعنى المذكور أعلاه للتدويل لوجدنا أن ما حصل في ليبيا كان تدويلا لقضيتها منذ بداية الأحداث فيها.

 

أيضا، إذا ما نظرنا إلى ما يجري اليوم على الساحة الليبية، وأهمّه الهجمة التي يقودها اللواء المتقاعد خليفة حفتر ضد العاصمة طرابلس، والحكومة الشرعية فيها، مع الاصطفافات الدولية التي نشهدها، والتي تدعم أحد الأطراف المتصارعة سياسيا وعسكريا، ندرك أن مرحلة التدويل التي بدأت مع بداية الأحداث الليبية لا تزال مستمرة حتى يومنا هذا، ومن يتتبّع تصريحات الأطراف الليبية المختلفة يرى أنه حتى الآن لا تظهر إرادة حقيقية لدى هذه الأطراف للتحرّر من الفاعلين الدوليين والالتفات نحو مصالحة ليبية داخلية تنهي النزاع القائم بينهم.