ثقافة الاستهلاك في المجتمع الليبيِ

496

تعاني المجتمعات العربية عموما من انعدام الصناعات والانتاجات الاستراتيجية التي تدخلهم في مصاف الدول الصناعية والمنتجة، بل على العكس من ذلك، فإن هذه الدول تعاني من تبعية كاملة للعالم الصناعي نتيجة اضطرارها إلى كل سلعها من هذه الدول، واعتمادها على إنتاج هذه الدول بالكامل بدل من أن تقوم بصناعة مستلزماتها بنفسها.

 

إن هذا الواقع جعل من الثقافة العربية ثقافة استهلاكية مستسلمة للأمر الواقع دون بذل أي جهد في ابتكار سياسة تصنيع تجعل منها دولا مستغنية في الحاجات الأساسية عن غيرها من الدول.

 

نعيش اليوم في عالم مادي صعب، حيث أضحت قيمة الإنسان مرتبطة بمقدار ما يمتلك من مال، وأشياء ثمينة، مما تؤثر في نظر الناس إليه وتقييمه، والتعاطي معه في حياته اليومية، وهو عالم مغرق في الماديات والنزعة التسليعية التي أتت على ما تبقى من أخلاق عامة تحكم البشرية.

 

ولو أردنا الكلام عن الواقع الليبي في ظل هذا العالم المادي المتغوّل، خصوصا بعد العولمة ووجود الشركات العابرة للحدود، لوجدنا أن ليبيا الحديثة عاشت تحوّلات سياسية اقتصاديّة مختلفة على مدى سبعين عاماً، أدت إلى ترسيخ ثقافة الاستهلاك بشكل كبير وسريع، بعد أن كان هذا التغيير يسير بطريقة بطيئة.

 

في ظل تساقط الحواجز الاقتصادية بين ليبيا والغرب يسود العاصمة الليبية طرابلس مناخ من النمو الاقتصادي تغذيه حداثة ثقافة الاستهلاك، واستثمارات أجنبية متدفقة·

 

بعدها، امتلكت الدولة موردا هاما تمثّل في نفط وغاز وفرّ لها مخزونا من الثروة، حوّل اقتصادها مع الزمن لاقتصاد ريعي قائم على بيع هذا المنتج الوحيد، واستيراد كلّ ما يُمكن استيراده. وتبنّت نظاما اشتراكيّا استحوذ على كل القطاعات والخدمات لفترة زمنية طويلة، على حساب تبنّي سياسة اقتصادية واضحة ومنهجيّة، افتقدناها اليوم في الظروف التي تعيشها الآن.

 

برزت في المجتمع الليبي ظاهرة تمثلت بشركات تقوم بعرض منتجاتها من البضائع على شاشات التلفاز، والهواتف المحمولة، وترويجها عبر وسائل التواصل المختلفة تحت عنوان “الموضة”، وما هو شائع بين الناس، وقد أصبحت وسائل التسويق هذه لها قواعدها وعلومها التي دخلت ضمن التخصصات الأكاديمية.

 

لا يمكن لأي مراقب للشأن الاقتصادي أن يتجاهل الدور الذي لعبه الإعلام في التأثير على المجتمعات، وفي صياغة ذوقها العام، وإبراز ما يتماشى مع الموضة والأمور الرائجة، وفي سبيل ذلك تم استخدام كل وسائل الجذب، ومن الأمثلة على ذلك استقدام الفنانين الكبار وإشراكهم في عمليات التسويق، فيكفي أن يشارك ممثل مشهور في دعاية لمنتج ما حتى تتوافد الجموع لشراء هذه السلعة. وتعلن لافتات في أنحاء البلدة عن إنشاء فنادق شاهقة، ويبدو أن متاجر العطور الفرنسية وملابس مشاهير المصممين الإيطاليين تقدم خدماتها لطبقة جديدة من الليبيين الأثرياء المتطورين الذين يملكون المال ويريدون إنفاقه·

 

كل هذه العوامل أدت إلى تشكيل الذوق العام بما يتناسب مع توجه الشركات المنتجة، يترافق ذلك مع رغبة اجتماعية للأخذ بكل ما يظن أنه من أسباب الرقي، كما سوقت لذلك وسائل الدعاية المختلفة.

 

وإذا نظرنا حولنا، وفي منازلنا؛ لوجدنا أنّنا نكدّس الكثير من الأشياء غير الهامة لنا، وقد تفوق قدراتنا المالية، وذلك لنيل الرّضا وسط المجتمع، وأن نظلّ في نظر الآخرين ضمن الطبقة الاجتماعية المرفّهة.

 

هذه النزعة الاستهلاكية (ثقافة الاستهلاك) أصبحت حمّى ووسواسا قهريّا أصاب أغلب المجتمع، ولنا في مناسباتنا الدينية والاجتماعية خير دليل؛ تغيّر شهر رمضان من شهر العبادة إلى مهرجان شراء وأكل وبالمثل فإن الأفراح تحوّلت من تعبير عن السعادة في أجواء عائلية صادقة إلى كابوس يصيب الأسر.

 

فمنذ اليوم الأول للقاء العائلتين، يتم تجهيز قائمة محدّدة من الأوامر والمظاهر الواجب تواجدها بالترتيب، من نوع أواني التقديم إلى أصناف المشروبات والحلويات، مرورا بالهدايا الواجب تقديمها في أوقات معيّنة.

 

وإذا تطوّر الأمر إلى عرس، يلزم المرء دفع مبالغ طائلة للبقاء في نظر المجتمع ضمن تصنيفاته للرفاه والفقر، شراء عدد معيّن من المجوهرات والملابس، إلى إقامة هذه الليلة في صالة خارج المنزل، فيلجأ البعض إلى الديْن والأقساط التي تكبّلهم وهم في بداية حياتهم الأسرية لسنوات قادمة.

 

ورغم كل الظروف الاقتصاديّة التي تعيشها بلادنا، من ندرة السيولة النقدية وتأخرها، فنجد أنّ ثقافة الاستهلاك المرتبطة بالتفاخر؛ تطوّرت مع وسائل التواصل الاجتماعي، التي تعجّ بصور صاخبة لمناسبة عدّة مثل عيد ميلاد، تخرّج دراسي، بل حتى احتفال بطلاق، فهذه الوسائط الاجتماعية تغذي كل يوم هذه الظاهرة وتحولها لهوس جمعي.

 

ويمكن الكلام عن مصطلح “البساطة”، وكيف يصف هذا المصطلح سلوكَ البشر تجاه ما يملكون، ومدى حاجتهم لها. ومع اختلاف الألفاظ، جميعها تصبّ في مصلحة أن يكون الفردُ على درجة من الوعي الكامل نظير استهلاكه، بحيث يكون الوعي هو المحرّك الرئيس لهذه الأشياء وليست هي المتحكمة فيه. بمعنى آخر، أن يملك المرء لا أن تملكه هي.

 

قد يرى البعض أنّ أصحاب مبدأ البساطة، يبالغون فيه، لكنّ هذا المبدأ أصبح ملحّا هذه الأيّام، مع الوضع الاقتصاديّ الخانق الذي نعيش فيه، من غلاء الأسعار وانخفاض القدرة الشرائية للعملة المحليّة ممّا يستلزم منا إجراء تقشّف فوري.

 

من صور هذه الاجراءات؛ ترتيب أمورنا المالية بناءً على الأولويات والضروريات، وليس على السائد وما يطلبه الجمهور، والتنظيم إذا دخل شيء زانه وحسّنه. أي أننا نتوقف للحظات ونفكّر ألف مرة قبل شراء هاتف محمول بمبلغ يكفي سلعا غذائية لمدة شهر كامل.

 

وكذلك الأمر في شراء الملابس، علينا أن ننظر إلى خزانة ملابسنا وكميّة الأثواب التي لم نعد نرتديها، إما لأنّنا اشتريناها دون هدف أو نمى لدينا شعور الحاجة إلى شراء شيء جديد، فكيف تتحوّل هذه الملابس من ستر عورة الإنسان إلى رمز للتباهي والتفاخر؟

 

من الواضح أن هناك خلل في سياسة الإستهلاك، ولكن الخلل الأكبر هو تبنى شعوب العالم الثالث بشكل خاص، للسياسة الاستهلاكية، دون وجود يذكر لنسبة إنتاج موازية. ما من سبب يدعو لهذا الشغف المبالغ به في ليبيا فيما يتعلق باتباع  أسلوب الغذاء الغربي رغم أن المرأة في هذه الدول تعتبر الأقل مشاركة في سوق العمل، أي أن عامل الانتاج كذريعة للاتجاه المحموم نحو هذا النوع من الغذاء غير موجود.

 

في النهاية، يمكن القول إن المجتمع الليبي يمرّ بفترة عصيبة سياسيّا واقتصاديّا، وإن كان هذا الوضع الحالي غير كافٍ لإعادة النظر في أسلوب حياتنا، والوقوف بصرامة تجاه النزعة الاستهلاكية المجنونة، فإننا سنكون مجبرين على ذلك في فترة ما، وعند ذلك، قد نعجز عن توفير الضروري من المتطلبات اليومية.