جدوى “إعلان تونس” في ظل الهجوم على طرابلس

1٬028

هذه المقالة تهدف إلى دراسة مآل المبادرة الثلاثية المقدّمة من دول الجوار الليبي (تونس، والجزائر، ومصر) لإيجاد حلّ للصراع الدائر في ليبيا.

 

استضافت تونس يوما 19 و20 فبراير/شباط 2017 اجتماعا ضمّ وزراء خارجية تونس والجزائر ومصر، وخرج المجتمعون بمبادرة لحلّ الأزمة في ليبيا، سُمّيت “إعلان تونس”، وتضمنت عددا من النقاط التي تبلورت بين المجتمعين بهدف وضع حلّ للأزمة الليبية التي باتت تهدّد أمن واستقرار دو الجوار الليبي.

 

وفي نهاية الاجتماع، وبعد الاتفاق على النقاط، قام وزير الشؤون الخارجية التونسي، خميس الجهيناوي، بتلاوة الإعلان من قصر قرطاج (قصر الرئاسة التونسي) يوم الأثنين الواقع فيه 20 فبراير/شباط 2019، كما وقع المتفقون على وثيقة الإعلان التي تضمنت النقاط المتفق عليها.

 

المنهج المتّبع:

المنهج الذي سأستخدمه لمقاربة موضوع هذه الورقة هو المنهج الاستقرائي-التحليلي، حيث سأقوم باستقراء بنود الإعلان بندا بندا لمعرفة محتوياته، والوقوف على أهم ما ورد فيه، ثم سأعمد بعد ذلك إلى تحليل هذه البنود لمعرفة المقاصد التي تطلبها وقياسها مع الواقع لرؤية جدوها في ظلّ التطورات الليبية الأخيرة، قصدت بها الهجوم العسكري الذي يقوده اللواء المتقاعد خليفة حفتر ضد العاصمة الليبية طرابلس.

 

       بنود الإعلان:

شكّل البندان الأول والثاني من الإعلان تأكيدا واضحا وصريحا على سيادة الأراضي الليبية ووحدتها، وعلى مواصلة السعي لحلّ الخلافات بين الأطراف المتصارعة بمساعدة الدول الثلاث، وبرعاية الأمم المتحدة.

 

أما البند الثالث فقد أكّد على رفض الحلّ العسكري في ليبيا، وعلى أن الحوار بين الأطراف الليبية كافة دون استثناء هو الكفيل بتحقيق الأمان في ليبيا.

 

البند الرابع شدّد على وحدة المؤسسات الحكومية الليبية ذات الطابع “المدني”، وأكّد على دور ليبيا في محاربة الإرهاب ومواجهة الجريمة العابرة للحدود والهجرة السرّيّة.

 

البند الخامس يتكلّم عن مواصلة الدول الثلاث لجهودها الرامية إلى إنهاء الأزمة في ليبيا، مع التأكيد على أن إعلان تونس هو أرضية لتعزيز الحوار بين الأطراف الليبية ضمن جدول زمني محدد يتم التشاور بعده مع الأمم المتحدة باعتبارها الراعية الرسمية للاتفاق.

 

البند السادس تكلّم عن قيام الدول الثلاث بإحاطة الأمين العام للأمم المتحدة، والأمين العام للجامعة العربية، ورئيس مفوضية الاتحاد الأوروبي بإعلان تونس، باعتباره وثيقة رسمية لدى المنظمات الثلاث.

 

وبالنظر إلى بنود الإعلان، نرى أنه يدور حول نقاط عدة تهدف إلى إنهاء الصراع الليبي عبر الحوار حصرا، مع استبعاد الحلّ العسكري، وضمان وحدة الأراضي والمؤسسات الليبية، وقيام ليبيا بدورها في محاربة الإرهاب والجريمة والهجرة غير الشرعية، على أن يكون الإعلان بداية لاتفاق ليبي شامل بمتابعة الدول الثلاث تحت مظلة الأمم المتحدة، فالدول الثلاث صاحبة مبادرة الحلّ في ليبيا اتفقت على العمل سويا، وعلى مسافة واحدة من جميع الأطراف الليبية، لإنهاء الصراع الليبي، والتوصل مع كافة الأطراف الليبية إلى اتفاق شامل يؤمّن استقرار ليبيا للقيام بدورها الإقليمي والدولي.

 

       جدوى إعلان تونس على ضوء المستجدات الليبية الأخيرة:

أعلن اللواء المتقاعد خليفة حفتر، في الرابع من أبريل/نيسان 2019 انطلاق عملية عسكرية للسيطرة على العاصمة الليبية بحجة طرد المتطرفين والإرهابيين منها، وقد تلقى حفتر دعما من السعودية والإمارات، اللتان تعملان بجهد لإخماد ثورات الربيع العربي خوفا من امتدادها في المنطقة ووصولها إلى أراضيهما، ومن مصر بعد وصول عبد الفتاح السيسي إلى الحكم عبر الانقلاب على الرئيس الشرعي الراحل محمد مرسي.

 

وبالنظر إلى الدول التي شاركت في وضع “إعلان تونس”، عنيت بها دول الجوار الليبي الثلاث، تونس والجزائر ومصر، فإن موقفها مما حصل من إعلان حفتر لعمليته العسكرية يؤثر بشكلٍ كبيرٍ على فعالية هذه المبادرة للحلّ في ليبيا.

 

مصر أعلنت مبكرًا أنها مع خطوة اللواء المتقاعد خليفة حفتر في السيطرة على العاصمة طرابلس بحجة توحيد البلاد ومحاربة الإرهابيين، وهي بذلك تريد أن تقضي على حظوظ الإسلاميين في الوصول إلى الحكم في ليبيا، الأمر الذي يتوافق مع السياسة المصرية، وقد شارك سلاح الجو المصري في مساندة القوات المهاجمة لطرابلس، كما أمدت الحكومة المصرية قوات حفتر بالأسلحة والذخائر.

 

أما الجزائر، فقد اعتبرت أن خطوة حفتر “غير بريئة” باعتبار أنها أتت في وقتٍ تشهد الجزائر حراكا شعبيا استدعى استنفار الجيش الجزائري وانشغاله في الداخل، كما أن الجزائر اعتبرت أن حفتر لم يعد جزءا من الحلّ بل أصبح مشكلة بحد ذاتها.

 

أما الدول الكبرى التي يفترض أن تلعب دور الراعي من خلال مؤسسة الأمم المتحدة، من مثل فرنسا وأمريكا، مع غياب أي دور للدول الفاعلة الأخرى، فقد سارعت إلى دعم حفتر في معركته، وهو اصطفاف مع طرف ليبي ضد آخر يخرجها عن دور الراعي لحلّ سلمي في ليبيا.

 

ومع هذه التطورت التي انكشفت مع بداية معركة حفتر ضد طرابلس، يبرز سؤال طبيعي لا بدّ من طرحه، وهو: ما الذي بقي من إعلان تونس؟ وما الجدوى منه بعد انخراط الدول الضامنة له في الصراع الدائر وبشكل مباشر؟

 

 

 

 

       ما الذي بقي من إعلان تونس؟

إن قيمة إعلان تونس تكمن في الجهات الضامنة لتنفيذه، وفي الدعم الذي ستؤمنه الأمم المتحدة، المتمثلة بالدول المنضوية تحت لوائها، لتحقيق الأمن والاستقرار وإيجاد الحلّ السلمي في ليبيا، والذي يضمن المشاركة الفعالة لكلّ الأطراف الليبية دون إقصاء أي طرف منها، أو استبعاد أي جهة فاعلة على حساب جهة أخرى.

 

إلا أنه مع بداية عملية حفتر ضد طرابلس، وجدنا أن استقطابا إقليميا ودوليا أطاح بكلّ التطلعات الرامية إلى تحقيق التوازن المنشود في الداخل الليبي، فقد رأينا أن فرنسا وإيطاليا وقفتا بشكل منحاز إلى جانب حفتر، كما أن الولايات المتحدة باركت، عبر اتصال هاتفي لترامب مع حفتر، ما يقوم به الأخير من هجوم يهدف إلى إقصاء حكومة الوفاق والاستئثار بالحكم في ليبيا.

 

أيضا، فإن مصر، إحدى الدول الضامنة لإعلان تونس، لم تتردد في الانحياز بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ إلى حفتر في عمليته العسكرية، بل وامتد انحيازها إلى خطوات عملية تمثلت بمشاركة قواتها الجوية في قصف العاصمة الليبية، ووصول أسلحتها وذخائرها إلى قوات حفتر، وهو ما يخرجها عمليا من كونها ضامنا لاتفاق ينهي الأزمة الليبية بعيدا عن الحلّ العسكري.

 

أما الجزائر المنهمكة بوضعها الداخلي الذي يشهد حراكا شعبيا، فقد صرحت بأن حفتر لم يعد جزءا من الحلّ، مما يعني أنها ترى عدم إمكانية أن يكون له أي دور مستقبلي في حلّ الأزمة الليبية، وهي تغمز من قناة مصر وتعتبرها وراء توقيت انطلاق عملية خليفة حفتر مستغلة الانشغال الجزائري بالوضع الداخلي.

 

بناءً على كل ما سبق، أرى أن “إعلان تونس” قد مات في مهده، ولم يستطع أن يحقق أيا من بنوده، فقد تمحور حول حلّ سلمي يبقي على وحدة الأراضي والمؤسسات الليبية برعاية الدول الإقليمية الثلاث وبغطاء من الأمم المتحدة، إلا أن الدول الفاعلة في الأمم المتحدة (مثل فرنسا وأمريكا) لم تنأ بنفسها عن الصراع، بل دخلت بقوة إلى جانب طرف ليبي (خليفة حفتر) ضد طرف آخر، كما أن الدول الضامنة للاتفاق لم تعد تستطيع أن تلعب دور الضامن، على الأقل مصر، بعد أن تورطت بشكلٍ مباشرٍ مع طرف ضد آخر، وبذلك يكون إعلان تونس قد استنفذ إمكانياته منذ الطلقة الأولى التي أطلقها حفتر على طرابلس.