واقع الشباب في ليبيا

740

نتكلم في هذا البحث عن واقع الشباب الليبي، وعن أهم المعوّقات التي تقف حجر عثرة في طريق انطلاقه نحو تحقيق آماله. ويجدر التقديم بتعريفٍ عن الشباب، وعن التنمية، وعن دور الشباب في مجال التنمية، لأعمد بعد ذلك إلى إسقاط هذه المفاهيم على الواقع الليبي لدراسته.

 

       تعريف الشباب:

هناك اختلاف في تعريف “الشباب”، أي تحديد الفئة العمرية التي يُطلق عليها هذا الاسم، من مجتمعٍ إلى آخر، ومن دولة إلى أخرى، فقد نرى بعض الدول تحصر فئة الشباب ما بين سن 15 و24 عاما، بينما تجعله أخرى ما بين 15 و35 عاما، وهناك مجتمعات ترى أن الشباب هي مرحلة توسطية بين الطفولة والرجولة التي تبتدئ عند قدرة الذكر على تحمل مسؤولياته تجاه المجتمع، إلا أن هذا الاتجاه الأخير ضعيف نسبيا باعتبار أن توصيف “السباب” تنبني عليه بعض الأحكام القانونية، فلا بدّ أن يُضبط بطريقة واضحةٍ لا تحتمل أي تأويل.

 

وبما أن بحثي هذا هو عن الشباب الليبي، وبما أن ليبيا دولة أفريقية، فسأعتمد في تعريف الشباب على “تقرير الشباب الأفريقي 2009″، حيث عرف الشباب بالفئة العمرية ما بين 15 و39 عاما.

 

       مفهوم التنمية في المجتمعات:

إن مفهوم التنمية مرتبطٌ بشكلٍ كبيرٍ بطبيعة الدولة الحديثة، والضوابط الاجتماعية التي تم اعتمادها من قبل المجتمع الدولي، ولذلك فسأعتمد على تعريف الأمم المتحدة لـ”التنمية”بأنها

العمليّات والمُمارسات التي يَتعاون فيها الأهالي، ويضمّون جهودهم مع جهود الحكومات، لتطوير وتحسين ظروف المجتمع المحليّ الاجتماعيّة والاقتصادية والثّقافية، وللسعي لتكامل المُجتمعات في واقع الأمّة وجعلها قادرةً على الاشتراك في مَسيرة التقدّم القومي“، فالتنمية تقوم على التعاون الحاصل بين المجتمع وبين الدولة بهدف دفع مسيرة التقدم، والدفع باتجاه تحسين الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي.

 

 

       دور الشباب في التنمية:

يعتبر الشباب أهم فئة في أي مجتمع من المجتمعات، ويعتمد تصنيف الأمم بكونها فتية أم لا على نسبة الشباب فيها، كما أن العنصر الأكثر تفاعلا مع القضايا الاجتماعية كافة، والمندفع بهمةٍ لتحقيق الأهداف والقيام بكافة الأعباء الاجتماعية هم الشباب، ولذلك أولت الأمم العظمى الشباب أهمية خاصة، ومنحتهم هامشا كبيرا من الاهتمام، ومن الجهد للإعداد للتصدي لكلّ تحديات المجتمع، وقامت بإشراكهم في الحياة العامة على مختلف الصعد، وقبل هذا كله اهتمت أيّما اهتمام بنظام التربية والتثقيف الذي يفرز شبابا فاعلين في مجتمعاتهم، ويتمتعون بكفاءة عالية للنهوض ببلدهم.

 

فإذا يمكن القول إن عنصر الشباب هو الفاعل الأكبر في المجتمعات، ورقيّه هو سبب مباشر لرقي أي مجتمع، كما أن إهماله، وإهمال تثقيفه، والرفع من كفاءاته، والقضاء على آماله، هو من أكبر عوامل فساد المجتمعات وتأخرها عن ركب الأمم المتقدّمة.

 

       واقع الشباب الليبي، وأهم التحدّيات التي تواجهه:

إن الكلام عن مشاكل الشباب الليبي يستلزم النظر إلى السياق الاجتماعي للواقع الليبي، وأبرز المحطات التي أثرت على واقع الشباب في ليبيا.

 

بداية لو نظرنا إلى الفترة التي سبقت حراك فبراير 2011، نرى أن الشباب الليبي كان مهمّشًا على كل المستويات، السياسية، والثقافية، والاجتماعية، وغيرها، إذ كان نظام الحكم في ليبيا توتاليتاري يقوم على حكم الفرد، وكان الناشطون في السياسة هم بطانة رأس هرم الدولة، وكانت حركتهم تهدف إلى تطبيق سياساته فقط، دون أي مجال للإبداع، وبذلك نشأت الأجيال الليبية من الشباب، في ظلّ هذا الحكم، وهي تعاني من قلة خبرة على المستوى السياسي، وعلى مستوى العمل الاجتماعي.

 

ومع حراك فبراير 2011، شهد العالم كلّه حجم التضحيات التي بذلها الشباب الليبي، وجرأته في مواجهة آلة الحرب المدمّرة التي سلّطها النظام السابق على مواطنيه، وبذلوا التضحيات الجسام لإسقاط النظام، وسقط الكثير من الشباب في ساحات القتال، وهو أمرٌ زاد من مشاكل هؤلاء الذين كانوا يأنّون أصلا من مشاكل قبل ذلك.

 

وبعد حراك فبراير 2011، وسقوط نظام الحكم في ليبيا، وجد الشباب أنفسهم أمام تجربة جديدة لا يفقهون شيئا من مفرداتها، وليس عندهم الوعي السياسي اللازم للقيام بأعبائها، مما زاد من الصعوبات التي واجهتهم للانتقال ببلدهم إلى واقع جديد، ووقع جزء كبيرٌ منهم ضحية لعبة المصالح الخارجية في ليبيا، وصاروا وقودا لحربٍ أحرقت الأخضر واليابس، وقضت على جيلٍ كاملٍ من الشباب الليبي الذي كان يُنتظر منه أن يقوم ببلده وينهض به، بينما فضّل جزء آخر منهم الهروب من الواقع المرير، والنأي بنفسه عن لعبة الموت التي تحرّكها جهاتٌ خارجيةٌ ويدفع ثمنها شباب ليبيا، فاتجه، في ظلّ إقفال السفارات الأجنبية للباب أمام مريدي الهجرة، اتجه هؤلاء الشباب الفارّون من الموت في المعارك إلى قوارب الموت التي ركبوها هربًا إلى ما تخيلوا أنه “جنة أوروبا”، فقضى جزءٌ منهم غرقا في البحر، ومن وصل منهم إلى أوروبا اكتشف صعوبات تنتظره هناك لا تقلّ عن ما واجهه في بلده الأم.

 

فإذا، مع انهيار الوضع الأمني في ليبيا، نستطيع القول إن أبرز التحدّيات التي تواجه الشباب الليبي، والتي تحول بينهم وبين تحقيق آمالهم، هي التالية:

 

  • غياب الأمن: وهو أكبر المشاكل، وأكثرها إلحاحا بالنسبة لليبيين عموما، وخصوصا الشباب منهم، إذ إن الحروب وقودها الشباب في الدرجة الأولى، وحتى غير المنخرطين بشكلٍ مباشرٍ في النزاعات المسلحة فهم يعانون من هاجس الحفاظ على حياتهم وحياة من يعولون من الخطر الذي يحدق بهم من كل جنب، أو منشغلون في تدبير طريق للهجرة والخروج من هذا الواقع المرير، فهم أبعد ما يكونون عن مشروعٍ يؤطّرهم ضمن بوتقة واحدة، ويرفع من كفاءاتهم للنهوض بالبلد.

 

  • تردي الاقتصاد الوطني: فقد استنزفت الحرب الدائرة على الأراضي الليبية الاقتصاد الليبي بشكلٍ كبير، كما أدت إلى غياب السيولة وإلى تراجع قيمة الدينار الليبي أمام الدولار، ناهيك عن مشاكل انقطاع الغاز والماء والكهرباء، وهي وإن كانت مشاكل تمسّ المجتمع ككل، وليس الشباب فقط، إلا أن تردي هذه الخدمات في أي بلد من شأنه أن يصرف الجهود كلها إلى معالجة هذه الأولويات فتنعدم القدرة على القيام بمشاريع تنهض بالشباب وتحسّن من أوضاعهم.

 

  • غياب اهتمام الحكومة: وهذا السبب نتيجة للأسباب السابقة، حيث إن انشغال الأفرقاء السياسيين في حربٍ ضروسٍ داخل ليبيا أدى إلى صرف هممهم إلى تركيز كلّ طرف على الانتصار في الحرب وفرض مراده على الآخرين، فضاعت كلّ الجهود في تدمير المجتمع، بدل أن تتوجه إلى بناء الإنسان الذي ينهض به.

 

وكنتيجة للأسباب السابقة، فإن الشباب الليبي يرى نفسه مدفوعًا إلى حلولٍ أحلاها مرّ، فهو إما سينخرط في قتالٍ داخلي ضد أبناء وطنه دون طائلٍ سوى مزيدٍ من الخراب الذي يحيق بالمجتمع الليبي، أو سيركب ظهر البحر بحثا عن حلمٍ خلف الأفق، وقد يقوده إلى قاع البحر، أو، في أحسن ظروفه، سيصل إلى أوروبا ليكتشف بعد فترة أن حلم الجنة الأوروبية ما كان إلا سرابا خادعا، فيعيش فيه دون أي أمل، أو يأفل عائدا إلى بلده، وإلى هذا الواقع الأليم.

 

إن ضياع الشباب الليبي إنما هو منذر بضياع البلد الذي يقوم بشبابه، ومنذر بضياع الأجيال التي ستتربى في مجتمع لا يتمتع فيه أسلافهم بخبراتٍ ينقلونها إليهم، وهكذا بقية الأجيال من بعدهم، وهو ما يُنذر بتأخر البلد وتردي مستواها أكثر فأكثر، من هنا فمن الضروري الاهتمام بالشباب، لأن صلاحهم فيه صلاح البلد عامة، والعكس صحيح، وسأخصص بحثا لاحقا للكلام عن الحلول المقترحة لحلّ مشاكل الشباب الليبي.